مجرد رتوش

ويقول عشاق القلم:

قد نكون حازمين ..
قد نكون صارمين ..
قُدت قلوبنا من صخر أصم ..
ولكن ،،
كان لابد لنا يوماً أن نتوقف - ولو لمرة واحدة - نسرج الخيل ، ونعزف على أوتار قيثارة الليل ..
قالوا فتأثرنا .. واهتزت مشاعرنا ..
وتحركت الأقلام في أيدينا تكتب مفاهيمنا في نزهةٍ على الورق ..

الاثنين، 4 يونيو، 2012

نبض الإليكترون

"قصة قصيرة" ... بقلم الأديب/ سامح فضل
إهداء : إلى مَنْ روحها أصغتْ لحكايتي كما تصغي الشواطئ لحكاية   الأمواج ..
إلى ( .......) ، و ..
وهذا يكفي !!
***************
كان المنطق - كل المنطق - أن يُصرَّ على قراره إصراراً ، فلم يَلُحْ له في ظلمة الموقف أي بصيص من نور ..
كانت مختلفة ، بكل ما تستطيع الكلمة أن تحتمل حتى ينوء ظهرها بحملها .. كانت شخصيتها رقيقة مكتسحة في آنٍ واحد ، وكأنما أبتْ شخصيتها إلا أن تتوافق مع اسم صاحبتها القوي الرقيق ، الذي يحملُ من المطر رذاذه الهادئ ، فتشعر باللذة حينما يلامس شعرك ساعة سقوطه ، وتحب أن يسيل من رأسك إلى وجهك ، معتقداً أن نزوله الرقيق مداعبةً من الطبيعة لك ، ولكن الخطر كل الخطر أن تشتد قوته ، عندها يصبح الرذاذ سيلاً .
تعرّف إليها من خلال النبضات الإليكترونية المنبعثة من دقاته المتتابعة المتولدة من مفاتيح جهاز الكمبيوتر الخاص به في عمله ، الراحلة إلى مناطق - متعددة في شتي أنحاء العالم - ومشتركين لطالما أذهله محاولة تخيل أعدادهم وجموعهم الغفيرة .
يطيب له أن يغمض عينيه ويبتسم ، متذكراً تفاصيل تعارفه الأول بها .. ساعتها كان قد وضع نفسه موضع الإبحار في محيط الشبكة المعلوماتية العالمية ، وكانت تملؤه الرغبة أن يُحدّثَ أحداً ، عندما .. عندما تألقت الشاشة أمام عينيه برسالة ، تقول أن هنالك مَنْ يود أن يكتب إليه ..... أحس بالحنق ؛ لأنها عرفته بنفسها على أنها فتاة !!.. طلب منها أن تكون صريحة ، فليس من داعٍ للكذب ، فهو لا يهمه كونها فتي أم فتاة ، قدر ما يهمه أن تكون واضحة ومباشرة في حديثها ، واشتط في طلبه .. وبينما يضغط مفتاح الإرسال ، تألق في نفس الثانية اسمها أمامه على الشاشة .. أخبرته أن لا شيء يدعوها للكذب .. غضبتْ من اتهامه المتواصل لها بالخداع ، فانسحبتْ بمنتهى السرعة ، وبمنتهى التهذيب ، بينما كلمتها الأخيرة " سلام " تنبض متألقة أمامه على الشاشة !!.
شعورٌ غريبٌ بالخواءِ ملك عليه جوانحه ، بينما نظراته مُعلّقة بخيوطٍ سحرية - بكلمتها الأخيرة ، ولدقائق طوال كسنواتٍ ضوئية لم يُحرَّكْ ساكناً .. لم يدر لم انتابه ذلك الشعور بأنه فقد شيئاً غالياً إلى الأبد ، ولكنه لا يدري له كنهاً .. بأصابع ثقيلة أغلق الكمبيوتر ، فلم تعد لديه الرغبة في أي شيء ، وكأنما أصبحت الحياة أمامه فراغاً وعدماً غير محتملين !!.
لم ينطق بكلمة واحدة أثناء عودته للمنزل ، ففردتْ الدهشة عباءتها السحرية على نفوس أصحابه ، وإن لم يجرؤ أحدهم أن يحثه على الحديث ، فقد كانت عيناه قد رحلتا منذ وقتٍ ليس بالقصير إلى عوالم أخرى .
كاد يجن من كثرة التفكير ، تُري ما الذي أصابه ، لقد تحدث إلى المئات من قبل ، ولكم تكرر معه هذا الموقف ، ولكنه لا يذكر أن موقفاً علق بخيوط ذاكرته ، كما علق هذا الموقف .. أية لوثة عقلية أصابته فجعلته يُخرج زفرات صدره ببطء ، خشية أن يحترق كل ما أمامه من حرارة البراكين الملتهبة في أعماقه !!.
في المنزل جلس أمام كمبيوتره الخاص في ظلام الغرفة ، وبأصابع لطالما حفظت كل جزء من جهازه أضاء الجهاز .. لكم كان يروقه تلك النغمات المعدنية التي يصدرها الجهاز عند التشغيل ، كان موقناً أن تلك هي طريقة جهازه في تحيته !!.. جرتْ أصابعه بسرعة على لوحة المفاتيح ، وبدتْ أمامه الصفحة نقية كوردةٍ بيضاء .. تراجع بمقعده ، وراح ينظر إلى مؤشر الكتابة الذي راح يتألق وينطفئ بتتابعٍ رتيب ، وكأن ومضاته قلب بشري ينبض ويدق .. لثوانٍ بدا له أن كل ما في الغرفة جزء من فيلم صامت ، أصاب شريط عرضه خلل ما ، فتجمدتْ مشاهده على الشاشة الكبيرة ..
عادت عيناه تحدقان مرة أخري في مؤشر الكتابة ، الذي بدا له وكأنما يحثه على الكتابة ، وكأنما لا يروق لذلك المؤشر نبضه الرتيب .. لم يشعر بأي رغبة في فعل أي شيء هذه الليلة ، وكأنما خشي أن يكتب شيئاً ، فيعكر صفو هذه الصفحة البيضاء بما سيسكبه عليها من حبر نفسه الممتلئة بالسواد !! ، وعندما اجتذبه النوم - قسراً إلى سلطان مملكته ، وهو جالس أمام الكمبيوتر ، خُيـّلَ إليه أن كلمتها الأخيرة كانت تتألق على شاشة توقف جهازه الأثير .
في الصباح لم تكن لديه رغبة في العمل ، فكان يؤديه بدون حماسته التي لطالما عهدها في نفسه .. كان يرجو أن تُتاح له الفرصة ، مجرد فرصة واحدة حتى يستطيع أن يحدثها ، ويكتبُ إليها .. عندما انتهى من عمله ، زفر في عمق شديد ، وراحتْ أصابعه تداعب أزرار لوحة المفاتيح ، دار بالفأرة دورة حلزونية سريعة لا تهدف إلى شيءٍ معين ، وشرد .. ولما عاد من ارتحاله الفكري وجد نفسه يتصفح دون أن يدري محفوظات جهازه ، دبتْ في روحه الحماسة ، وهو يتنقل مراجعاً كافة المواقع التي زارها بالأمس ، وفجأة التمعتْ عيناه ببريقٍ قوي . . لقد خزّنَ جهازه تلقائياً رقم اشتراكها في الموقع ، ولم يكن بحاجة إلى أكثر من ذلك .. في ثوانٍ كان قد اتخذ وضع الإبحار إلى الشبكة العالمية ، وبدأ في البحث عنها ، مستعملاً رقم اشتراكها ، وراحت المعلومات تنساب أمام عينيه ..جرتْ عيناه في لهفة متفحصة كافة التفاصيل ، التي سجلتها عن نفسها في الموقع ، كان يبحث عن شيء بالتحديد ، وتنهد في ارتياح بينما اسم بريدها الإليكتروني يتألق أمام عينيه ، ولم يكن يريد أكثر من ذلك .
في المساء ، بينما كان مبحراً في محيط الشبكة العالمية ، تألقت أمامه رسالة تنبئه بأنها متواجدة في هذه اللحظة في نفس المحيط المعلوماتي الزاخر .. انحبستْ أنفاسه فلم يكن ليتوقع أن يترفق به القدر ، فيكلمها بهذه السرعة .. للحظات بدا له الأمر جنونياً ، لِمَ ترتعش أطرافه بهذا الشكل ، وما الخيط الخفي الغريب الذي يربطه بتلك الشخصية ، وهو لم يتبادل معها سوي سطور قلائل ؟؟ ولكن جنونه دهم تساؤلاته كما يدهم الإعصار سفن الشواطئ .
خُيل إليه أن الزمن قد توقف ، وأن كل شيء في الغرفة قد سكن ، منتظراً أن تجيب عليه عندما كتب إليها تحية المساء .. نظر إليه كل العاملين في الغرفة الكبيرة باستغراب ، عندما تنهد في ارتياح بصوتٍ حارٍ مسموع ، وكأنه إنسان أُنقذ بعد ما أشرف على الغرق !! ، ولكنه لم يلق لأحدٍ بالاً ، فقد كان كل تفكيره منحصراً في محادثتها !! .. مرتْ لحظات من الصمت ، عندما أعاد عليها التحية مخاطباً إياها باسمها .. ظن أنها ستسأله كيف له باسمها ، ولكنها احتوتْ الموقف بفطنة الـمُجرّب المتمرس ، وانساب حوارهما الكتابي كما ينساب ماء النهر من المنبع إلى المصب .
شدَّ ما جذبه إليها أن لها قاموس مفرداتها الكتابي الخاص ، فبينما كان يعتبر أن تحية المساء العادية ، هي أدني درجة يمكن أن يهبطها من سلم برج لغته الفصيحة الجزلة ، كانت تفاجئه بتحيتها الافتتاحية ( هاى ) التي تبدأ بها كلامها في أول كل محادثة لها ، ولطالما أثار انتباهه أن لها طريقتها الخاصة في كتابة كلمة ( أوكّيه ) الإنجليزية عندما توافق على شيء ما ، فهي تكتبها مطابقةً تماماً للحرفين الإنجليزيين ، فتكتبها ( أو.ك ) ، فكانت الابتسامة تغزو ملامحه ، كما يغزو الهوى حصون الأفئدة .
كانت صريحة إلى درجة مفزعة ، فلا يذكر أنها ادعتْ صفةً لنفسها ، دون أن تكون محفورةً في تضاريس شخصيتها .. لم تكن تؤمن بالصداقة بين الرجل و المرأة ، ولكنها كانت تؤمن بضرورة التخاطب بينهما ، وكانت الشبكة العالمية تتيح لها ذلك ، دون أن تقع في المحظور من وجهة نظرها !!.
كانت مثقفةً حياتياً ، وإن لم تكن من هواة مطالعة الكتب ، وكان يعرفُ ذلك جيداً ، فكان النقاش والحوار هما خير أسلوب ، لاستخراج الكنوز المكنونة في أعماق تلك الشخصية .. لكم كان يلذ له أن يطرح عليها السؤال ، ثم يُهيئ نفسه لاستيعاب تلك الأفكار المتدفقة التي تتراص كلماتها أمامه على الشاشة .. كان أسلوبها يرق ويشف ويرتقى ، وهي تتكلم باستفاضة في أي موضوع ، كاشفةً له عن جوانب أخرى من الموضوع لم تكن لتخطر له على بال .
كانت جامعية ، وتصغره بعامين كاملين ، وعندما أخبرته أنها من أحد أشهر مدن بلاده الساحلية ارتجف !! .. لقد مزق ذكرها لاسم مدينتها الساحلية خيوط جرح قديم ، وبغتة ملأتْ حيز الوجود أمامه صورة لعينين فيروزيتين نقيتين صافيتين ، لطالما حاول أن يتناساهما ، فما أغنى التناسي ، ولا أسمن من جوع .
أخبرها أنه مغترب خارج بلاده ، فدُهشتْ ، وساورها الشك بأنه يمزح معها ، ولكنه أكد لها ، وذكر لها اسم البلاد التي قُدّر لها أن تخطفه من أحضان بلاده ، وبالصدفة أو بترتيبٍ من القدر علم بأن خالتها تعيش في نفس البلد ، بل وفي نفس المدينة .. عرض عليها استعداده لإيصال أية رسالة إلى خالتها ؛ ليقضي على كل الشكوك و الظنون التي يمكن أن تساور عقلها ، فشكرته وكانت كلماتها تفيض بالحياء !!

حاول مرات عديدة أن يُحصي المرات التي حدثها فيها ، فلم يستطع !! كثيراً ما كان يعتقد أنه حدثها بلايين المرات ، على الرغم من أنه لم يتعرف إليها إلا منذ أسابيع قليلة ، ولكنه كان يؤمن أن بينهما خيطا شعوريا عجيبا ، لا يستطيع أن يتلمسه أو يراه ، لكنه كان يشعر بأثره العميق في كل لمحة من تصرفاتهما .
لم يكن ليحسب أن يوماً مرَّ من حياته دون أن يكتب إليها ، كانا يتحدثان كل يوم ، ولكم أحب منظر مؤشر الكتابة النابض المتسارع يحمل إليه كلماتها الرقيقة حانيةً متناغمة تسأل في اهتمام مترفق عن أحواله ، راجيةً منه في ختام رسالتها - أن يهتم بنفسه وبصحته ، ثم تستأذن في المغادرة ، مودعةً إياه فتتألق تحيتها على الشاشة ( باى ).
ما كان ليحتمل أن تغيب عنه كلماتها ولو للحظات .. بينما كان يحدثها في أحد المرات ، غابت كلماتها لدقيقة كاملة ، كاد يجن ، فجرتْ أصابعه بسرعة البرق على الأزرار منادياً إياها ، كاتباً اسمها بالإنجليزية - كعادته - إذا ما تأخرتْ عليه لثواني .. فسرعان ما عادت كلماتها تتراص على الشاشة ، معتذرةً بأنها كانت تغلق بعض نوافذ الحوار ، لأشخاص يودون مكالمتها ، وأخبروها أنهم حصلوا على عنوانها من خلال تفاصيل المشتركين في الموقع ، فسارعت بمحو عنوانها من الموقع ، فما هي بحاجة لأن تتحدث إلى أحدٍ سواه !!
كثُرت رحلاته إلى محيط الشرود ، فكان يستقل قارب فكره ويُبحر .. حيّره عمق إحساسه بها ، بيد أن نقطة مهمة كانت تُدهشه إذ كان يستشعر بدقة مذهلة الوقت الذي تكون فيه متواجدة في محيط الشبكة !! .. حاول أن يُقنع نفسه أن شعوره بوجودها تطور مع الزمن ، ولكنه لم يُخطئ - ولو لمرة واحدة منذ تعرّفَ إليها - في تحديد وقت تواجدها ، على الرغم من تنوع وقت تواجدها ما بين ليل أو نهار !! .. أرّقه هذا الشعور ، فقد كان يشعر نحوها بشيءٍ مختلف تماماً ، وكان هذا ما يُثير عقله المكدود من كثرة التفكير ، تُرى أي نوع من التواصل يجمعه بهذه الفتاة ؟ وما سر قوة ذلك الخيط الشعوري الخفي الذي يجمعهما ؟ كانت علاقته بها إن صح أن يُسمي ما بينهما علاقة تتحدي عقلانيته ، وأسلوبه المنطقي في التفكير ، الذي أغاظ الكثيرين ، لالتزامه بقواعد الفكر ، وقوانينه المنظمة .. كيف يمكن لأنهار روحه أن تحطم سدود نفسه المنيعة ، فتفيض بكل قوتها ، مدمرة في طريقها كل جسور الفكر والمنطق ، التي عبرت عليها أفكاره من قبل ؟؟ لكأن أنهار روحه لم تعد تحتمل أن تسير في خنوع واستكانة تحت تلك الجسور .

أثـّرتْ محادثاته لها تأثيراً مخيفاً على موارده المالية ، فقد كان يحدثها لساعات فلكية ، ولكنه لم يلق بالاً لذلك، فلم يعد هدفه أن يجني مالاً من غربته ليحقق به أحلامه في بلاده .. نبّهه زملاؤه في العمل - ولم يكن لهم علم بشيء إلى أن فواتير إبحاره في محيط الشبكة العالمية ، كادت أن تلتهم راتبه التهاماً ، ولكن ذلك لم يردعه .. كان يحترم خوفهم عليه ، ولكن الأمر ليس بيده ، كيف يمكنه أن يقاوم تلك الارتعاشة التي تشمله من قمة رأسه إلى أخمص قدميه ، وهو يتابع كلماتها المتراصة على الشاشة ، فتكشف له في نفسه عن مناطق شعورية ، لم يكن وجودها في نفسه يخطر له على بال ؟؟ كيف يمكن له أن يحرم نفسه من الشعور بذلك الألم الحارق المنبعث من جوانب نفسه المكتوية بحمم براكين روحه الولهي ، المشتاقة للكتابة إليها ؟؟ كانت كلماتها تنساب إلى أعماقه ، فتقوده عبر صحراء روحه إلى سراب في نهاية الأفق ، لم يكن من حلاوة الظمأ ليرجو أن يجد في نهايته الماء !!.. كيف يمكنه أن لا يكتب إليها ، وقد صرخت كلماتها مراراً تستعطفه أن يبقي ، ولا ينسحب من الحوار ، عندما وجدها تتحدث ذات مرة مع ابنة خالتها .. تظاهر بمعاودة الانسحاب ، مؤكداً على حتمية الحوار في مرة أخرى ، فجاءته كلماتها بسرعة البرق ، تتوسل إليه ألا ينسحب ، فما كان حديثها مع ابنة خالتها إلا عنه !!.
ضربتْ شجرة علاقتهما بجذورها العميقة في نفسيهما ، وأثمرتْ في روحيهما ثقةً في الآخر ، وصدقاً في الحوار معه .. حذّرته من الإبحار في محيط حياتها ، فما كان منه إلا أن اختار من محيط حياتها دواماته، واقتحمها بقارب إبحاره !!.. احترم فيها رغبتها الدائمة في تطوير أحلامها ، فشدَّ ما كان يُميّزها وضوح رؤيتها لأهدافها ، وسعيها الحثيث وإصرارها القوي على تحقيق كل ما تصبو إليه ، وعلى الرغم من أنها غمرته بأحاديثها عن نفسها - استجابة لأسئلته التي لطالما أدهشتها قدرته الفائقة على تنسيقها وترتيبها ، بشكل يجعله في النهاية مُلمّاً بكافة التفاصيل المتعلقة بالجانب الذي يناقشونه من حياتها إلا أنه لم يجرؤ أن يسألها عن الجانب العاطفي في حياتها ، وكان كلما قاده تفكيره لهذه النقطة شغل نفسه بأشياء أخري ، وحوّل مجري تفكيره إلى اتجاه آخر !!
جاءته كلماتها هذه المرة تعِبـةً مرهقة ، أخبرته أنها لم تكن في حاجة إليه كما تحتاج إليه الآن !! .. لحظتها كره الزمان والمكان والوجود ، وكانت كل ذرة من كيانه تضرع إلى الله عزوجل أن يمحو عنها عذابها ، حتى ولو صبّه عليه عذاباً مُقيماً بدلاً منها ، فما كان ليتحمل أن يفكر الألم مجرد التفكير أن يمس روحها العذبة النقية مجرد مس بشيء ٍ من عذاباته !!. .. في البداية كانت نبضات مؤشر الكتابة تتابع بإيقاع بطيءٍ رتيب ، وكأنما كانت تحاول أن تزن ما تقول ، مُقدّرةً رد فعله عليه ، ولكن المؤشر سرعان ما تتابعت نبضاته ، وكأنه قلبٌ بشري يخفق بسرعته القصوى .. حكت له عن إحساسها الكامل بالعجز، وهي تري صديقتها الأثيرة مريضة ترقد في المستشفي غائبةً عن الوجود ، وهي لا تملك أن تفعل لها شيئاً .. كانت أعاصير روحها تهب قويةً ، فتتراص الكلمات على الشاشة ، وكأنما هي جياد يُلهب ظهرها سوط حوذي لا يرحم .. كانت سحائب روحها قد مرتْ على محيط آلام حياتها فامتلأتْ ، ولكنها قالت له لم تكن تدري أي أرضٍ غير أرض روحه تستطيع أن تُمطرها كل هذه الأمطار .. لم يقاطعها بكلمة ، فقد كان يعلم أن أفضل طريقة لمساعدتها أن يترك أعاصير روحها تهاجم شواطئه محتملاً كل ما سيسببه له من ألم ، فمهما بلغتْ قوة الإعصار ، فلا بد له في النهاية من السكون .. استعاد مؤشر الكتابة نبضاته المتتابعة الرتيبة ، فكان هذا كما تعوّد إيذاناً بضرورة الرحيل ، أخبرته أنها غير قادرة على الكتابة أكثر من ذلك ، وتألقت الشاشة بتحيتها الختامية، وكلمتها الأثيرة ( باي ) ، مشفوعةً بوردةٍ حمراء رقيقة حزينة ذات غصن مائل .
كان كل يومٍ يمر ، يزيده غوصاً في محيط حياتها .. حكت له عن كل شيء ، عن أسرتها ، حياتهم ، آلامهم ، أحلامهم .. حكتْ له عن صديقتها الوحيدة الـمُقـرّبة الأثيرة التي هاجمها المرض بغتةً ، فهصر عودها النضر .. حكتْ له عن أحلامها بالدراسة في المجال السينمائي الذي تحبه ، وإكمال دراستها العليا فيه ، والسفر للخارج ، وتحقيق كل أحلامها وطموحاتها .. قادته عبر دروب حياتها ، وأطلعته على خباياها ، وكلها ثقة في سمو روحه ، ونقاء نفسه .
أدهشها أن كل كلمة كتبتها له كانت محفورةً في تضاريس ذاكرته ، فكثيراً ما كان يلذ له أن يمازحها باقتباس بعض العبارات والجمل من قاموس مفرداتها الخاص ، فكانت تسأله كيف تحتفظ ذاكرته بكل ما كتبته له ؟؟ أخبرها أن ذاكرته قوية بالفطرة ، فهو لا يستطيع أن ينسي أي شيء مرَّ به ، ثم أفلتتْ منه عبارة " خاصة لو كان الأمر يتعلق بكِ " .. توقفتْ الكلمات المتراصة على الشاشة فجأة ، وخُيل إليه أن السكون نفسه سكن ، ولم يعد يري سوي مؤشر الكتابة ، وهو يتألق وينبض في إيقاعه الإليكتروني الرتيب !!ثم جاءته عبارتها الرقيقة : " ميرسي لذوقك " ، كطوقِ نجاة ، فتنفس الصعداء .
كان إحساسها بالحزن مختلفاً ، فقد كانت له نغمته الخاصة ، وكأن نغمات أوتار قيثارة روحها ما عرفتْ إلا مقامات الحزن ، أو كأن أصابع القدر راقها دائماً أن تُبدع ألحانها من تلك المقامات !!.. كان حزنها شفافاً رقراقاً ، أتاح له بينما تقوده عبر دروب حياتها أن يري في أعماق روحها نُبلاً لم يعهده من قبل .. كان يفزعه أن تبحر في محيط آلامها ، وقتها .. وقتها فقط كان يوقن أنها لم تعد تشعر بأحد ، ولا حتى بنفسها .. كان عليه أن يراها تواجه عواصف محيط آلامها ، كنورسٍ مُحلّقٍ وحيد لا يملك سوي غريزة جنسه الفطرية في مواجهة العواصف والأعاصير !!.
جاءته كلماتها هذه المرة متراقصةً من السعادة لو كانت ترقصُ الكلمات !! أخبرته أن صديقتها تعافتْ من مرضها ، وأنها الآن معها ، وتهديه السلام .. كان الفرح يغمر جوانب روحها ، حتى لتتساءل : أعرفتْ تلك النفس الحزن من قبل ؟! كان سعيداً لا لشيء إلا لأنها سعيدة ، حتى أن الدموع ترقرقتْ في مقلتيهِ ، وتحولتْ نبضات قلبه إلى خفقاتٍ من الدعوات بأن يُديـمَ الله السعادة عليها ، حتى ولو كان الثمن أن يحرمه سبحانه منها ، وانساب الشجن إلى أرجاء روحه كما ينساب الماء إلى الأرض العطشى ، بينما مؤشر الكتابة النابض يبدو كمايسترو ينقلُ إليه باقتدار سيمفونية سعادتها التي تعزفها أوركسترا كلماتها .. أوجعه الحنين إليها ، وأنَّ قلبه بأنينٍ عميقٍ لا يدري له كنهاً ، كما لا تدري السواقي سبب أنينها وصوت أوجاعها الطويل .. اكتسح الغضب نفسه كما يكتسح السهلَ السيلُ العرم ، كيف يسمح لنفسه أن يمسه الحزن مساً ، بينما هي تسبح في نهر السعادة ؟! وعلى الرغم من أنه جاهد نفسه ليُشعرها بالفرح ، إلا أن الشجن ظلَّ متغلغلاً في جوانب روحه ، كشبحٍ يتراءى له أمام عينيه ، بينما لا تستطيع حواسه أن تتلمس منه شكلاً ولا سمتاً .

كانت هذه المرة تعطيه مفاتيح قلبها ليجوبا دروبه معاً فارتجف!! .. أخبرها أنه ليس من حقه أن يدخل إلى محراب مشاعرها ، وإلى قدس أقداسها .. جذبته روحها من يده ، وكأنه لم يقل شيئاً ، أدهشه أن وجد الطريق مظلماً ، وقبل أن يتكلم أعطته شمعة !! أثار عجبه أن الطريق لم يكن سهلاً ، فكاد يتعثر أكثر من مرة ، لكن أنامل روحها الرقيقة كانت مُطبقةً على أصابعه ، فما أحس بأن للحيرة في نفسه موقعاً .. ومن بعيد بدتْ له المروج الخضر ، والسماء الزرقاء ، وداعبته أشعة الشمس ، وصافحه النسيم العليل ، وأسمعته الطيور أعذب الألحان .. انسابت الراحة إلى نفسه انسياباً ، وأحس كان حقائق الوجود قد تكشفتْ له ..كيف توقع أن يكون الطريق سهلاً ، وقد عهد من بني البشر أن يكون الطريق إلى كنوزهم مظلماً صعباً ؟! تجول معها طويلاً في دروب قلبها ، فما أحس بقدميه تعباً ! .. حلّق معها في سماوات عشقها فما أحس بجسده نَصَباً ! .. شرب من أنهار حبها فما أحس ساعتها ظمأً ! وحينما انتهى التجوال وضعتْ روحها أناملها الرقيقة على جفنيه ، وأسبلتهما ، راجيةً له أحلاماً سعيدة .
أبداً لم يكن حلمها أن يكون فتاها فارساً يخطفها على جواده الناصع البياض ، وينطلقُ بها مُسابقاً الريح نحو السحاب ، قاصداً قصره المنيف !! .. كان كل ما ترجوه أن يكون فارس أحلامها إنساناً ، وكانت تدركُ مدى صعوبة أن تقابل هذا " الإنسان " وسط جموع بني البشر !!. كانت كلماتها عن فارسها عامةً أكثر ما يكون العموم ، حتى لتظن أن كل إنسان متدين ملتزم هو فارس أحلامها .. وأحياناً حينما يستأثر بها الوجد تكون كلماتها عن فارسها خاصةً أكثر ما يكون الخصوص ، حتى يخُيل إليه من وصفها أنها تقصده " هو " من دون فرسان كل هذا الزمان !!.
لِـمَ يعاقبه الله تعالى فيلقيه في أتون الجحيم ، ولا يمنحه القدرة حتى على الصراخ ؟؟ أي ذنبٍ اقترفته يداه فيوقفه عز وجل على الشعرة الفاصلة بين العقل والجنون ، فما هو مع العقلاء فيسكن مساكن الزيف والنفاق ولا هو مع المجانين فيخلُد في دور الراحة والهناء ؟!
كانت خلاياه تئن تحت وطأة آلامها .. كان يحاول أن يقنع نفسه أن ما يشعر به كابوس
مرعب ، لن تلبث صورة روحها الرقيقة أن تبدو لأشباح كابوسه ، فتفر من أمامها كما تفر جنود جيش الظلام من جيش النور .. وظنَّ وحَلُم ، فما أغني الظن ، ولا أسعفت الأحلام .. كاد يجن من التساؤل : أية لعنة تلك التي أصابت مؤشر الكتابة فلم يعد يجيد سوى نبضاته المتتابعة الرتيبة دون أن يتحرك قيد أنملة ؟؟! لماذا لم تعد تكتب إليه ؟؟ أين غابت ؟؟ أين كلماتها المتراصة التي لطالما أسعدت القلب ، وأطربت الوجدان ؟؟ لماذا لم تعد ترد على رسائله ؟؟ وتبخرتْ تساؤلاته في الهواء .
سأل عنها الطيور في السماء فقد كانت روحها رفيقة الطيور .. سأل عنها عريشة الياسمين القائمة على سور داره فقد كانت روحها صديقة الياسمين .. سأل عنها الأطفال في الشوارع ، فكم استعار الأطفال من روحها براءة العيون .. فذُهلتْ الطيور من غيابها ، وفزعتْ عريشة الياسمين ، وحل الذعر محل البراءة في عيون الأطفال .
ضجتْ الساعات الطوال من طولها ، بينما هو جالس ينتظر تحرُك مؤشر الكتابة بنبضه الرتيب ، فما رقَّ مؤشر الكتابة لحاله ، ولا كان به مترفقاً .. كان غيابها فرصةً لأن يُراجع نفسه ، ويتوقف وقفة مع النفس ليفكر .. أية علاقة تلك التي جمعتْ بينه ، وبين إنسانة لم يرها من قبل ؟! أية حمى مجنونة تلك التي تعتريه حين يكتبُ إليها ؟؟ أي نوع من المشاعر يمكن أن يُسمى به ما يحسه تجاه تلك الروح ؟! حاول أن يقنع نفسه بأن ما يحس به ليس حباً ، فكيف يعشق الإنسان بهذه القوة شخصاً لم تقع عليه عيناه من قبل ؟! ولكن قناعته تخاذلتْ أمام مشاعره ، كيف يؤمن الآن بهذا المنطق ، وهو الذي طالما نادى بهدم حب الصور والأشكال ، وإعلاء حب الروح ؟! .. أقنع نفسه بأن اشتياق نفسه لأنامل روحها الرقيقة هو إعجابُ بشخصيتها وليس بها ، لكن مَنْ ذا الذي يستطيع أن يوجد له الفرق بين الروح والشخصية ؟؟ بدا في تفكيرهِ كبحارٍ يقود زورقه ، مبحراً به في أعاصير المحيط ، بينما الضباب يغشي من حوله كل شيء .. كان قراره بالتوقف سيوفاً قد وضِعتْ نصالها على نحر مشاعره ، وكان المنطق كل المنطق أن يصر على قراره إصراراً ، فلم يلح له في ظلمة الموقف أي بصيص من نور !!

كأسطورةٍ من أساطير اليونان ، تخلص مؤشر الكتابة البطل ، من قيود نبضه الرتيب وسرعان ما تراصتْ كلمات عبارتها على الشاشة ، تنبئه أن الفردوس كان يختار مليكة حوره ، فاختار صديقتها وتوجها ملكة عليهم !! .. كانت عبارتها مذبوحة تقطر دماً ..

دار به الكون ، حاول أن يفكر فما أسعفه التفكير .. حدّثه شيطانه أن ينتقم لنفسه ، ولا يكتبُ لها حرفاً .. استحلفته مشاعره ، ودمها يسيل من حد السيوف الـمُشرعة على جيدها أن يترك كفه في أناملها تقوده عبر دروب العشق .. صرخ به واجبه أن ينساها ، وأن يذكر أهلاً جاء لأجلهم من بلاده .. حدَّثته روحه أن يرحم روحها المذبوحة بفقدان صديقتها ، فلا يطعنها بخنجر تجاهله .. توسل إليه قراره بالتوقف أن يدعها ، ويذكر آمالاً علّقها أهله عليه .. قبـَّلتْ أشواقه أقدامه مستعطفةً إياه أن يترك قواربها تبحر في محيط الهوى .. أحس أن روحه تكاد تفارقه من شدة التفكير ، أغلق عينيه ليحجب عنها رؤية كلماتها ، لكنه وجد الكلمات محفورةً في صميم فؤاده .. نظر طويلاً لمؤشر الكتابة وهو يتألق وينطفئ ، وكأنما ينتظر منه أن يتخذ قراره .. أحس بصداعٍ رهيبٍ يكتنف رأسه كلها .. وبغتةً توقفتْ كل أعاصير روحه ، بينما راح إيقاع مؤشر الكتابة يتسارع ، ناقلاً كلماته المتراصة الولهى إليها ، وهو ينبض .. وينبض .. وينبض .
***



***
سامح السيد فضل

هناك تعليق واحد:

  1. قصة ولا أروع
    تكاملت فيها الجوانب القصصية على نحو مدهش حتى يفاجئك الكاتب بالنهاية غير المتوقعة .
    إبداع يا أستاذ سامح ونرجو حضورك للمشاركة بسرعة
    وشكرا جزيلا للناقل

    ردحذف